محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

439

شرح حكمة الاشراق

ما فوقه ، لكونه علّته ، وقهرا على ما تحته ، وهو معلوله ، لكونه فرعه . وإذا كان ذلك في العالم الأكبر ، فيلزم مثله في العالم الأصغر ، أي الإنسان ، ولهذا قال : فيلزم من النّور الإسفهبذ ، أي : النّفس الإنسانية ، من حيث كونه فيّاضا لذاته ، وذا قهرا على ما تحته من البدن وهيئآته المظلمة ، ومحبّة لما فوقه ، من ربّ نوعه روح القدوس ، صاحب طلسم النّوع الإنسانىّ ، إلى نور الأنوار ، في الصّياصى الغاسغة ، بسبب قهره قوّة غضبيّة ، بها يهرب عن المضارّ ويدفعها ، وبتوسّط محبّته قوّة شهوانيّة ، بها تطلب المنافع وتجلبها . وكما النّور الإسفهبذ بشاهد صورا برزخيّة ، فبعقلها ، بأن تجرّد صورها عن موادّها الطّينيّة ، ويجعلها صورا عامّة ، أي : كلّيّة ، بعد أن كانت جزئيّة ، وفي بعض النّسخ : « ويجعل أطوارها عامّة » ، أي : يجعل أطوار الصّور البرزخيّة عامّة ، نوريّة ، بعد أن كانت أطوارها جزئيّة ظلمانيّة نوريّة ، أي : غير متقدّرة بعد كونها كذلك ، تليق بجوهره ، بجوهر النّور الإسفهبذ ، الّذى هو محلّ تلك الصور المجرّدة النّوريّة ، لأنّ جوهره أيضا نوري مجرّد غير مقتدر ، كمن شاهد زيدا وعمرا وأخذ منهما للإنسانيّة صورة عامّة تحمل عليهما وعلى غيرهما ، من الأشخاص الإنسانيّة ، يلزم في صيصيته قوّة غاذية ، مناسبة لتلك القوّة العقليّة الآخذة من المختلفات شيئا واحدا يناسبها ، وهي الّتى تحيل الأغذية المختلفة كلّها إلى شبيه جوهر المغتذى ؛ ولولا هذه ، الغاذية ، لتحلّل بدن الإنسان ولم يجد بدلا ، فما استمرّ وجوده ، لأنّه إنّما يستمرّ بإخلاف الغاذية بدل ما يتحلّل من البدن . وكما أنّ من سنخ النّور التّامّ أن يكون مبدءا لنور آخر ، لأنّه فيّاض لذاته ، فلا بدّ من كلّ نور أن يحصل منه شعاع هو فرعه ومعلوله ، على ما عرفت ، من كون الأنوار المجرّدة ، بعضها علّة لبعض . فيحصل منه ، من النّور الإسفهبذ في صيصيته قوّة توجب صيصية أخرى ذات نور ، مجرّد يتعلق بها . وهي المولّدة الّتى بها بقاء نوع ما لم يتصوّر بقاء شخصه ، فتقطع قدرا من المادّة ، الّتى هي خلاصة الأخلاط وآخر الهضوم ، ليكون مبدءا لشخص آخر . وكما أنّ من سنخ النّور أن يزداد بالأنوار السّانحة ، العرضيّة الفائضة من